أحمد بن ابراهيم النقشبندي
231
شرح الحكم الغوثية
كنت ليلة في قلق فأردت أن أصلي فلم أقدر ، وأردت أن أجلس فلم أقدر ، فخرجت من المنزل بغير اختياري ، فرأيت في بعض السكك شيخا ملفوفا في عباءة ، فقال : إلى الآن يا أبا القاسم ، فقلت : يا سيدي من غير موعد ؟ فقال : بلى ، سألت محرك القلوب أن يتحرك قلبك إليّ ، فقلت : ما تريد يا سيدي ؟ فقال : متى يكون داء النفس دوائها ؟ فقلت : إذا خالفت هواها ، فأقبل على نفسه فقال لها : قد أجبتك بهذا الجواب سبع مرات ، فلم ترضي حتى سمعتيه من الجنيد « 1 » . وأشار رضي الله عنه بذلك إلى أن النفس إذا خالفت الهوى تزكّت بذلك فتزكّت ؛ إذ حقيقة تزكيتها مخالفتها ، والحيوان إذا تزكّى فيصير ما كان لها أولا داء من المآكل الهنية ، والمشارب الهنية ، دواء كالمريض يحمي أولا عن الأطعمة القوية ؛ لئلا تهلكه ، فإذا أصح أعطيها ، وصارت له دواء بعد أن كانت داء ، ولهذا كان صلى اللّه عليه وسلم يأكل اللحم والحلوى ، ويحب ذلك . وكان الشيخ عبد القادر الكيلاني رضي الله عنه في نهايته يأكل الدجاج ، ويطعم المريدين من أهل البداية خبز الشعير ، حتى يصل إلى النهاية ، فحينئذ يأكل مأكل الأصاغر من الرجال ، ويشرب مشاربهم ، وكل ذلك لا يحصل ولا يكمل إلّا بتمام المراقبة ، ولا يحصل ذلك إلّا بالخوف ؛ ليحض ذلك على تمام المناقشة للنفس والمحاسبة . فإن أردت أيّها الأخ الوصول إلى هذه المراتب ضيّق على نفسك ملازمة الأعمال ؛ كي تقدمها الأحوال ، وتظهر فيها العجائب . 105 - المهمل من الأعمال والأحوال لا يصلح لبساط الحق . إذ بساط الحق لا يصلح إلّا لمن طهّر ظاهره من المخالفات ، وعمّر باطنه بالمشاهدات ، فصار ظاهره متلبسا بالعبودية ، وباطنه مشرقا بأنوار الربوبية ، قد أعطى
--> ( 1 ) انظر : الرسالة ( 1 / 350 ) ، والحلية ( 10 / 274 ) ، والزهد الكبير للبيهقي ( 2 / 152 ) ، والاعتقاد وذم الخلاف لأبي العلاء الحسن بن العطار ( ص 65 ) ، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي ( 2 / 262 ) ، وروضة المحبين ( ص 404 ) ، وروضة الحبور لابن الأطعاني ( ص 115 ) ، بتحقيقنا ، وكتابنا الإمام الجنيد ( ص 188 ) .